أبو سعيد بن نشوان الحميري

مقدمة 34

الحور العين

أم هتف لغير أرب ؟ لعله فقد إلفا ، فرضع من مرّ الفراق خلفا ، فهو عروة الحمائم ، ومرقشهنّ الهائم ، أو فجع بهديل ، موف على البديل ، هلك بزعمهم في عصر نوح ، فكلّ حمامة تؤبّنه وتنوح ، تأبين متمم لمالك ، ومراثيه لأخيه الهالك ، وعلم ربك ما في الصدور ، وحمّ على الرضا والسّخط كلّ مقدور ، إلّا أنّه سلم من كفر وإسلام ، وتحصّن عن الملام بأحصن لام ، وتحلّى بأطواق ، لم تبع في الأسواق ، واستشار جذلا بمذل ، ناء عن العزل ، وترنّم بأوزان ، مسلية عن الأحزان ، لا تفتقر من العروض إلى ميزان ، وصدح بقريض ، عزب عن الغريض ، ورجّع بألحان حسان ، كرّرها بإحسان ، وعرى من خطل الإنسان ، ما فعلت قدما العرب في عبادة الأوثان ، وليس مع اللّه في الإلهية شريك ثان ، وما سنّت جهّالهم في الجاهلية ، على قبر الميّت من صبر البلية ، وارتباط الفرس أو المطيّة ، وعدّ ترك ذلك من الخطيّة ، كيلا يصبح ذلك الميت بين الركبان ماشيا ، إذا هبّ إلى الجمع يوم يبعث الناس عاشيا . وما فعلت حكماء الهند ، في عبادة البدّ ، واختبار العبّاد منهم في المواقيت ، بأبكار كاليواقيت ، بضم لهم منهنّ والتثام ، ولمس للفروج للبرّ لا للآثام ، بعد تجردهنّ وتجردهم من الثياب ، لزوال الشّك والارتياب ، فمن شبق منهم وأنعظ ، فقد كفر وما اتّعظ ، ووجب عليه القتل ، وعبادته مكيدة وختل ، فعملت رجالهم في استحضار المنيّة ، وحمل للهدايا السنيّه ، والتكفّن والتّضمّخ بالصّندل ، وطرح النفوس في النار طرح عود المندل ، شوقا إلى زيادة من هلك من الأحباب ، وكم للجهل في الناس من سورة وعباب ! وما فعلت الرّوم في عبادة الصليب ، والحضّ على ذلك والتأليب ، وأكل لحوم الخنازير ، بغير تثريب على الأكل ولا تعزير ، وقولهم أمكن ربّهم عبيده من أسره وغلبه ، وأقدرهم على قتله وصلبه ، ليتأسّى بذلك أنبياؤه ، ويتشبّه حزبه وأولياؤه ، ثم أحيا نفسه بعد الموت ، وأعادها بعد الفوت .